« الطبقة الوسطى » في المجتمع ضحية الفساد والبطالة


***

غلاء المعيشة يكشف عن غطاء «الأسر المستورة» على الفقر!

لم يتمكن معظم المواطنين مع حلول الأزمة الاقتصادية العالمية من التملص من ضغوطاتهم المعيشية، والتحول من أفراد يعيشون في حالة سلم مع "المال" إلى حالة حرب معه لتوفيره، فجاءت الظروف الاقتصادية الصعبة لتخلق إرهاصات حقيقية في حياة المواطن الذي أصبح يجد الغلاء في كل شيء، مما زاد من معدلات التضخم، وبقيت تلك الأزمة تضغط على الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة أكثر من غيرهما، فجاءت التحولات المخيفة في محاولة الطبقة الغنية في التمسك بمكانتها في ظل الظروف الاقتصادية المتسارعة فلم يتأثر "هوامير المال" بذلك كثيراً، فيما تحولت الطبقة الفقيرة إلى طبقة معدمة تآكلت في ظل تلك الظروف حتى أخذت تعيش في ضنك العيش ولم تجد مصرعها في تلك الأزمة سوى الطبقة المتوسطة التي تآكلت أو ربما ساحت بين الطبقتين، ومازالت تلتقط أنفاسها الأخيرة..

في هذا الملف "الأزمة الاقتصادية تلتهم الطبقة المتوسطة" تقف "الرياض" على أهم هموم الطبقة المتوسطة وما الذي حدث لها في ظل الأزمة العالمية.. كيف كانت وإلى أين وصلت؟، وإظهار صوت المواطن الذي أصبح الغلاء شبحه المخيف في الحياة الصعبة التي اعتمدت في المقام الأول على المال.. في هذا الملف نقف على معاناة المواطنين في ظروف المعيشة والبحث عن جذور الطبقة المتوسطة ومفهومها، وأين هي الآن؟، وهل تستمر في المقاومة؟، أم أن الطبقة المتوسطة لم تعد موجودة فإما الغنية أو الفقيرة؟، ومسئولية من تذويبها بين الطبقتين؟.. أسئلة وضعت على طاولت التشريح للنظر في صورة المواطنين وظروفهم المعيشية فكانت البداية من واقع الطبقة المتوسطة ذاتها ومن القاع إلى قشور الأزمة.

الصويغ: ازداد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً..ولم نعترف بالمشكلة بعد!
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذل في المملكة على عدة مستويات اقتصادية متنوعة، إلاّ أن المواطن لا يزال يتطلع إلى المزيد، لذا الحديث عن تآكل الطبقة الوسطى في المجتمع لا يلغي مسارات التصحيح والتقدم التي تشهدها المملكة حالياً، وربما هي المرحلة الذهبية للتغيير إلى الأفضل.

المحدود مقرود

المواطن "سالم المشرف" يتحدث عن الظروف المعيشية الصعبة التي أصبح يعيشها المواطن، فيقول: هناك أزمة اقتصادية كبيرة أثرت على دخل المواطن بشكل كبير عن السنوات الماضية، ففي السابق كان القليل من المال يكفي لأن يعيش المواطن في رخاء ورغد، وربما استطاع أن يوفر بعض المال لوقت الحاجة، إلا أن الوقت الحالي ألغى تلك الفترة الذهبية وجاءت الأزمة الحالية التي غيرت كثيراً من حال الناس، فأصبح الذي راتبه عشرة آلاف ريال يعاني من الضغوطات والالتزامات كما الذي راتبه أقل، وأصبح الذي راتبه ثلاثة آلاف ريال لايعرف كيف يعيش؟، فهناك إيجار الشقة الذي لايقل عن 12 ألف ريال في السنة وربما كان الإيجار أكثر خاصة مع "تسلط" أصحاب العقار الذين أصبحوا يرفعون من قيمة الإيجار بحجة الغلاء، والضحية المواطن الذي لايعاني فقط من دفع الإيجار المرتفع، بل من الالتزامات الأخرى من ملبس ومأكل وتسديد فواتير والتزامات الأولاد والأسرة التي لاتنتهي، والمشكلة تكمن في المواطن الفقير الذي أصبح يتطلع إلى المواطن الغني، فالفقير يرغب في أن يعيش بطريقة الأثرياء الذين يسافرون ويدخلون أفخم الأماكن ويعيشون بطريقة معينة نظراً لارتفاع دخلهم، فيعاني من الضغوطات المالية والديون، لذلك المرء الذي لايعتمد في معيشته إلا على راتبه الشهري فانه يعاني كثيرا لقول المثل "المحدود مقرود"، فالكثير من المواطنين أصبحوا يبحثون عن أعمال إضافية لسد الحاجة التي يعانون منها حتى يعيشوا في مستوى الطبقة المتوسطة ويحافظوا على هذا المستوى ولا يتحولوا إلى الطبقة الفقيرة إذا مااعتمدوا على راتبهم الشهري، ولذلك يأتي دور وزارة التجارة التي لابد من التدخل للحد من جشع التجار الذين أصبحوا يضاربون في سوق الغلاء ويحصلون على ضعف أرباحهم بسبب استغلال الظروف الاقتصادية الحالية.

مواطنون : من راتبه عشرة الآف ريال يعاني .. فكيف بمن هو أقل؟

المعيشة تحرق المال!

أما المواطن "عيسى الخليفة" فيجد أن المعاناة كبيرة، فقبل ثلاثين عاماً كان لايملك من الدخل سوى ألفي ريال، وكان يستطيع أن يعيش مع أسرته بشكل جيد ويفي بجميع التزاماته المالية، إلا أنه في الوقت الحالي ومع حلول الأزمة الاقتصادية التي حولت حياة الناس أصبح لا يستطيع أن يسابق الغلاء وارتفاع المعيشة الموجود على الرغم من أنه يتقاضى ثمانية آلاف ريال شهرياً، لكنه حينما يدخل إلى السوق لشراء حاجيات أسرته من المواد الغذائية يتفاجأ بأنه أنفق ألف ريال في أشياء بسيطة من الطلبات (الأرز، الزيت، السكر، الشاي، الأجبان،..) وغيرها من الأشياء التي لن تسد سوى حاجة عشرة أيام، خاصة مع عدد أسرته الذي يصل إلى تسعة أفراد حتى أصبح يعاني من المعيشة الصعبة كما الرجل الذي يتقاضى راتباً لايزيد عن ثلاثة آلاف ريال، فالمعاناة واحدة على الرغم من أن راتبه هذا قبل سنوات طويلة كان يكفي للعيش بشكل ممتاز وربما استطاع التوفير لبناء منزل العمر، فالوضع المادي لديه سيئ، خاصة أن مستلزمات الحياة الحالية أصبحت كثيرة وتختلف عن الحياة السابقة، فالأولاد يرغبون في الخروج وتناول الوجبات السريعة وكذلك التسوق وتوفير لهم الحياة الجيدة في المنزل، وربما تزامن ذلك مع وجود بعض الأولاد الذين يدرسون في معاهد خاصة، فالمعيشة أصبحت تحرق المال كما تحرق النار الخشب - حسب تعبيره-، والخمس مائة ريال لم تعد تفعل شيئا في هذا الوقت، خاصة مع تزامن ارتفاع فواتير الكهرباء والهاتف ووجود الجوالات التي أصبح يستعاض بها عن الهاتف الأرضي وغيرها من الأمور التي وضعت الطبقة المتوسطة في موضع الأزمة فحولتهم إلى طبقة فقيرة، والفقيرة إلى معدمة!!.

معاناة مستمرة

أما "أم راشد" فتطلق تنهيدة كبيرة وتقول: "الجرح بداخلنا كبير، فقد كنا في الماضي نعيش بالراتب التقاعدي لزوجي المتوفى، وقد كانت مستورة والحمد لله، وأنا حاولت أن أعمل من منزلي فأخذت في إعداد أنواع البهارات والعود والطيب وبيعها على نساء الحي وكنت (أترزق الله) في ذلك ويخرج لي دخل بسيط يساعد مع راتب زوجي، فربيت أبنائي الخمسة من ذلك الدخل وكنت سعيدة، ففي السابق كنت أدخل "البقالة" الصغيرة في الحي الذي أسكنه وأشتري بخمسين ريالاً ثلاث زجاجات من الجبن والمربى والبيض وأربع أكياس من الخبز و"التوست" وبعض الأشياء البسيطة التي تكفي لفطور أبنائي لمدة أسبوع، أما الآن فالوضع صعب جدا فأنا لاأستطيع ب200 ريال أن أوفر لهم وجبة الإفطار خلال أسبوع، فالمال "قلت بركته"، وارتفاع الأسعار أصبح مخيفاً، وطلبات الأولاد لاتنتهي ولا أستطيع أن أجاري هذا التضخم الكبير في الغلاء، ونحن مطالبون بتوفير كل شيء، وكل شيء بالمال، فالطعام لايأتي إلا بالمال، وتسديد الإيجار لايأتي إلا بالمال، والتعليم يحتاج إلى المال، والكهرباء تحتاج إلى المال، والماء الذي نشربه يحتاج إلى المال لشرائه، فلا يوجد شيء مجاني لدينا فما الذي تفعله امرأة فقيرة مثلي؟، وغيري كثير ممن شعروا بأن الحياة تقتلهم بكثرة متطلباتها.. فلم أستطع سوى محاولة الاقتصاد وإلغاء بعض المتطلبات المهمة لتوفير الأهم منها، وتبديل بعض المواد الغذائية ذات الجودة إلى مواد غذائية أقل جودة حتى نستطيع أن نجاري مايحصل من غلاء، حتى أنني أصبحت لا أشتري اللحم، فأنا مع أولادي لم نأكله منذ أكثر من سنة ونصف، وكذلك السمك الذي أصبح طعام الأثرياء ونكتفي بالدجاج الذي أخشى أن يرتفع سعره أكثر فنضطر لتناول الأرز دون أي صنف من اللحوم!.

اهتزاز مكانة الطبقة المتوسطة كارثة اجتماعية واقتصادية معاً

حياتنا تغيرت

وتلتقط "ابتسام يوسف" أطراف الحديث منها وتتحدث عن الكوارث التي تسببت بها الأزمة الاقتصادية، والتي أصبحت تحرك خيوط الطبقة المتوسطة، فقد كان زوجها يحرص على توفير المعيشة الجيدة لها ولأبنائها، فلديها ولدان يدرسان في قطاع التعليم الأهلي بشكل ممتاز، كمالديها ابن يدرس في الخارج دورة على حساب والده، والكثير من الالتزامات، إلا أنه بعد التدهور الذي حصل اضطر زوجها إلى إخراج أبنائه من مدارسهم الأهلية، وإجهاض الكثير من المشاريع كبناء بيت العمر، خاصة مع ارتفاع مواد البناء بشكل مخيف، وارتفاع الأراضي، وذلك ليستطيع أن يوفر المعيشة الجيدة لأولاده، ومحاولة تمويل ابنه المبتعث حتى ينهي دورته، مشيرة ابتسام إلى أن الأزمة غيرت من حياة المواطنين فمن كان يعيش بشكل جيد أصبح يتقشف حتى يستطيع توفير الأساسيات التي تحتاجها الأسرة لتعيش بشكل معقول.

سؤال مشروع!

ويعلق الكاتب عبدالعزيز الصويغ على معاناة بعض المواطنين، قائلاً: "تعد المملكة من الدول ذات القدرات الاقتصادية الهائلة، وهو ما جعلها عاملا رئيسا في كافة الفعاليات الاقتصادية العالمية مثل مجموعة العشرين التي تضم تجمع الدول الصناعية الكبرى مع الدول الناشئة، لمناقشة الموضوعات الرئيسة التي تهم الاقتصاد العالمي، وإذا أخذنا في الاعتبار العوامل التالية: ان المملكة هي أكثر البلاد إنتاجا للنفط، حيث تنتج 10,248 ملايين برميل، بينما تُصدر 8,038ملايين برميل يومياً كما أن المملكة هي الدولة الأولى في كمية احتياطي النفط عالمياً إذ تمتلك 262.3 بليون برميل من النفط في باطن الأرض، كما تحتل المملكة المركز الخامس في احتياط الغاز الطبيعي، والعاشر في إنتاج الغاز الطبيعي، ويثير كل هذا تساؤلا مشروعا عن سبب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المملكة وتقلص عدد الطبقة الوسطي، فقد ازداد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً، وهناك أكثر من دراسة وضعت المملكة في المؤخرة في المستوى المعيشي لشعبها، ففي مسح أجراه معهد غالوب الأمريكي ونشرته مجلة "فوربس"، حول قائمة أسعد الشعوب في العالم وكان فيه السؤال الذي وجه لآلاف المواطنين في (155) دولة حول العالم، هو: "ما مدى الرضا العام عن حياتك؟" جاءت المملكة في المركز ال (58)، بينما تصدرت الدنمارك القائمة.

وأشار إلى أن هناك صورا لا تُصدق في معظم مناطق المملكة لتدهور المستوى المعيشي، بل وبعض المرافق الحكومية المُقامة في بعض مناطق المملكة، والمطلوب هو أن نعترف بمشاكلنا سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو غيره، مؤكداً على أن العالم كله يعاني من مشكلات، خاصة مع الأزمة الاقتصادية العالمية، لكن الفرق بيننا وبينهم أنهم يعترفون بمشاكلهم ويحاولون التعامل معها بينما تتراكم لدينا المشكلات لرفضنا الاعتراف بها حتى تتحول من "شرر بسيط" إلى "حريق عظيم"!.

ويقول أستاذ علم الاجتماع الاقتصادي المشارك بجامعة الملك عبد العزيز بجدة "د.عبيد آل مظف" إن المدارس السوسيولوجية تقدم تعريفات مختلفة للطبقة الوسطى يستند بعضها إلى "الملكية" كمحدد وحيد للطبقة، ويؤكد بعضها على المهنة ومستوى الدخل والدرجة العلمية كعوامل متداخلة في خلق الطبقة، ويلعب العامل الثقافي دوراً بارزاً في تحديد هوية الطبقة الوسطى بحيث ان معايير الطبقة الوسطى في ثقافة ما قد تختلف عن مثيلاتها في طبقة أخرى كملكية المنزل وتعليم الأبناء، وبشكل عام، يميل الأغلبية من الأفراد إلى تصنيف أنفسهم من أفراد الطبقة الوسطى لاعتبارات ثقافية واقتصادية، ولا يوجد اتفاق بين الباحثين في المجتمع السعودي حول متوسط دخل الطبقة الوسطى. لذلك فان الرؤية والفلسفة الاقتصادية الاجتماعية المناسبة التي يمكنها عبر عمليات إجرائية وآليات تنفيذية إنقاذ الطبقة المتوسطة من الانهيار تتمثل في الاهتمام بالخدمات التعليمية، والرعاية الصحية، وتحسين ظروف العمل القائمة، والعمل على توفير المزيد من فرص العمل، وحماية الأسرة من التضخم الاقتصادي، وتعزيز أداء مؤسسات المجتمع المدني ودعمها تشريعياً ومادياً ورفع مستوى الحياة الاجتماعية، من خلال توفير بيئة اجتماعية تلبي احتياجات كافة أفراد الأسرة، فالطبقة الوسطى هي الطبقة الأكثر فعالية حيث انها الطبقة المنتجة والمستهلكة. وأضاف: في حال اهتزاز الطبقة الوسطى فإن ذلك قد ينجم عنه انخفاض إنتاجية الأفراد واختلال في نظم القيم الاجتماعية وبروز ظواهر اجتماعية سلبية كالجريمة والانحراف والتفكك الأسري، لذلك فان الوضع الاقتصادي وتلك الهزات يؤثر ذلك بشكل مباشر على الوالدين، وفي سبيل سعي الوالدين نحو تحقيق المزيد من الموارد المالية يمر الآباء بضغوط صحية ونفسية كما يقل اهتمام الآباء بمتابعة سير العملية التعليمية لأبنائهم، كما تضعف أيضاً إمكانية متابعة الأبناء في المنزل وخارج المنزل (أين هم في دراستهم، مع من يتصاحبون، ممارساتهم السلوكية داخل وخارج المنزل)، كذلك الضغوط الاقتصادية على الآباء يمتد أثرها ليشمل الأبناء، وزيادات في الاضطراب العاطفي، ومن ذلك الشعور بالوحدة، والاكتئاب، وجنوح، أو تعاطي المخدرات،

وبحث الأبناء عن مصادر مالية لدعم أسرهم حينما لا يكونون مؤهلين للعمل مما يجعلهم يقومون بأنشطة غير قانونية (سرقة، تجارة مخدرات،...)، انخفاض احترام الآباء والأمهات وزيادة الاعتماد على جماعات الأقران، ومحدودية الخيارات المتاحة لهم في المستقبل (ضعف التطلعات الأكاديمية)، ويمكن القول ان تغيرات البناء الأسري تؤثر على التعليم والتدريب والعمل وأنماط أوقات الفراغ، والرعاية الاجتماعية، والعلاقات بين الأجيال، والوضع يكون أسوأ للعائلات بدون أب ممن يحتاجون إلى رعاية طبية متواصلة، وتخفيض في الإنفاق على التنمية، لذلك فإن الضغوط الاقتصادية على الأسرة كبيرة جداً وتهدد بانقراض الطبقة الوسطى.

«السلطة التنفيذية» تتفرج على خطر الانقراض!


لم يستطع المواطن بعد حلول الأزمة العالمية الاقتصادية أن يتخلص من مخلفاتها التي طالت كل مستويات معيشته، حتى أصبحت الطبقة الوسطى دون ضمانات أو حماية من انقراضها ومن ترديها إلى مستويات الطبقة الفقيرة التي تحولت إلى طبقة معدمة؛ بفعل الظروف الاقتصادية السيئة التي حرمت الناس من الحفاظ على معيشتهم وهو أغلى مايمتلكونه.

«الديون» ونسبة تملك المنازل وأسعار السلع مؤشرات التحول إلى الأدنى!

عدد من الاقتصاديين والمختصين والمثقفين وقفوا على تفكيك القضية الأكبر في واقع الطبقة المتوسطة، حيث وجدوا أن المشكلة كبيرة لاتمس فقط المواطن من الطبقة المتوسطة والذي أصبح يعاني في توفير لقمة العيش للحفاظ على مستواه الحياتي، وإنما تمس نمو وتطوير الوطن الذي يقوم على هذه الطبقة في كافة مستوياته، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية، ملقين المسؤولية فيما يحدث على الكثير من الجهات التي أسهمت بشكل أو بآخر في تفاقم تلك الأزمة، مطالبين بالتدخل من أجل حماية المواطن والذي تأتي حمايته حماية كحلقة متواصلة مع الوطن الذي هو جزء ثمين منه..

في الحلقة الثانية من ملف "الطبقة الوسطى في المجتمع ضحية الفساد والبطالة" تقف "الرياض" على تفكيك الأسباب التي آلة إلى تدهور الطبقة المتوسطة والظروف التي ساعدت ومازالت تحول دون توفير الأمان لها، وأي السبل الجيدة الكفيلة لوضع رؤية حقيقة لمصالح المواطن التي أصبحت تستغل دون أن يوجد من يحميه من الغرق في تفاقم الأزمة التي خلقت منه مواطناً حائراً في تكلفة الحياة الباهظة مادياً والتي أثرت عليه معنوياً.

«المنتفعون» تركوا «الطفارى الجدد» وانضموا إلى قائمة الأثرياء

أسباب الانقراض

يقول الخبير الاقتصادي عبدالرحمن الزومان إن الطبقة المتوسطة من ناحية اقتصادية تنحسر وبشكل مذهل، نظراً لعدة أسباب أهمها: ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وثبات مستوى وانخفاض الدخول مقارنة بنسبة ارتفاع السلع، وتأزم مستوى البطالة، وارتفاع نسبة الفقر، والخسائر في سوق الأسهم، وزيادة عدد السكان وبالتالي زيادة أعداد الخريجين المؤهلين العاطلين، والزيادة الخطيرة في عدد المقيمين (الغالبية فيهم بلا تأهيل) والذين يتقاضون دخولاً عالية ويحرمون المواطن من فرصة العمل، وضعف الرقابة وضعف تطبيق الأنظمة من قبل وزارة التجارة ووزارة العمل ووزارة الداخلية، وضعف التخطيط ووعي المجتمع من قبل وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الثقافة والإعلام، حيث انخفضت الشريحة المتوسطة من المجتمع بشكل كبير نتيجة لهذه الأسباب، وذهبت هذه النسبة إلى شريحة الفقراء التي ازداد وضعها، والدليل على ذلك ازدياد حجم وأعداد القروض الشخصية الاستهلاكية المهلكة للاقتصاد ودخل الفرد فيه 200 مليار ريال والتي يقدمها أحد أهم المنتفعين من هذه المشكلة في الاقتصاد الوطني ألا وهم البنوك السعودية وشركات التقسيط تحت أعين المسؤولين في مؤسسة النقد العربي السعودي، أما فيما يتعلق بارتفاع أسعار السلع (معدل التضخم) كأحد أسباب انحسار الشريحة المتوسطة، فقد ارتفعت أسعار السلع بشكل مذهل وخطير أصبح الفرد لا يستطيع مواجهته إلا بالاقتراض للبقاء في نفس المستوى المعيشي الذي كان فيه، وبحسبة بسيطة جداً سوف أسوق هذا المثل البسيط للقياس: في عام 2005م كان هناك فرد من المجتمع ومن الطبقة المتوسطة لديه دخل يعادل 10.000ريال، وقد وصل هذا الرقم بعد أكثر من 10سنوات خبرة بعد الشهادة الجامعية، وكان يستأجر دور أو شقة متوسطة (70% من السعوديين لا يملكون منازل) ب2500 ريال شهرياً ويصرف لاحتياجاته الشهرية مع أسرته الصغيرة وبمعدل متوسط 5.000 ريال ويوفر 2500 ريال، ويكرم نفسه أيضاً، أما الآن في 2010م أصبح هذا المواطن يتقاضى راتباً أعلى نتيجة العلاوات السنوية والمكرمة الملكية بزيادة الرواتب 15%، وزيادة بدل غلاء المعيشة 15%، حيث أصبح دخله 15.000 ريال ولكنه أصبح في صراع مع صاحب مالك السكن بسبب زيادة الإيجارات التي قاربت 100%، فأصبح يدفع 5000 ريال كإيجارشهري، وتكاليف المصروفات الشهرية زادت عليه لعدة أسباب منها: الأول زيادة الأسعار، والثاني زيادة أعمار الأطفال ودخول المدارس، والثالث زيادة عدد أفراد الأسرة فأصبح يتحمل شهرياً مصاريف وفواتير وراتب خادمة وربما سائق، بما يعادل إجمالي هذه المصاريف 10.000ريال، وقسط البنك 3000 ريال (باعتباره احد ضحايا نكسة سوق الاسهم في 2006م)، وقسط سيارة جديدة 2500 ريال، اذاً: 15.000-20500= -5.500 ريال فأصبحت تزيد مديونيته ويتعثر في سداد الدين ويتأخر في سداد الإيجار حتى دخل في مشاكل أسرية وليس أمامه، إلا أن ينتقل إلى الطبقة الأدنى طبقة الفقراء أو الانحراف أو التسول.

مسؤولية "التضخم"

وأشار الزومان إلى أن معدل التضخم المعلن في المملكة هو 5.5% وهو لا يتناسب مع الواقع، ولا يمكن أن يؤدي إلى قرار سليم، فقد نشرت مصلحة الإحصاءات العامة والتي يعتمد على أرقامها كل من مؤسسة النقد ووزارة المالية ووزارة التجارة أن معدل التضخم قد بلغ لشهر 6/2010م 5.5% !، لذلك فإن مسؤولية ما يحدث من خلل تقع على عاتق الجميع سواء القطاع العام كجهات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية أو رقابية أو تخطيطية أو تعليمية أو إعلامية، والقطاع الخاص كالجهات المالية أو الصناعية أو التجارية أو الخدمية أو العقارية، وفي المقدمة طبعاً البنوك السعودية وشركات التقسيط وعلى رأسهم مؤسسة النقد العربي السعودي، وكذلك في المقدمة التجار من وكلاء وموزعين وتجار تجزئة ( وتجار السوق السوداء) وكبار العقاريين المنتفعين من غلاء العقارات وغيرهم والجهات الرقابية الحكومية وفي مقدمتها وزارة التجارة، ووزارة العمل كأحد أسباب البطالة في المملكة نتيجة إصدار التأشيرات لمهن يمكن شغلها بسعوديين، وضعف التفتيش وضعف تطبيق الأنظمة على التجار والاستغلاليين، ووزارة الثقافة والإعلام بعمل وتطبيق إستراتيجية توعوية مستمرة للمجتمع الذي مازالت تفتقد الغالبية فيه لابسط المفاهيم الاقتصادية، ووزارة التخطيط، ووزارة المالية، ووزارة الخدمة المدنية لعدم اعتماد الوظائف المطلوبة للجهات الرقابية، ومصلحة الإحصاءات العامة، وكذلك مجلس الشورى لتعديل الأنظمة واعتمادها وتنفيذها بشكل سريع بما يسهم في ترسيخ الرفاه الاقتصادي والاجتماعي تفعيلاً للإرادة الملكية الكريمة.

حلول مقترحة للتغيير

وأضاف الخبير الزومان أن الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي يمر بها المجتمع والوطن بشكل عام، تتطلب وقفة صارمة من القيادة الحكيمة -رعاهم الله- التي ما فتأت تقدم ما تستطيع لتعزيز الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للمواطن السعودي من خلال البناء والتعليم والصحة والأمن وتعزيز العلاقات الخارجية لفتح الأسواق العالمية للاستيراد والتصدير للسلع ودعم الصناعة والتجارة والسوق العقارية، ولكن يوجد هناك من يحاول العبث والاستغلال والهدم من جهة أخرى سواء بقصد أو من غير قصد، ونرى ذلك من خلال ما حصل من هزات لحقت بالاقتصاد أثرت على تركيبة المجتمع سواء لأسباب داخلية أو خارجية، والآن -نعم الآن وليس في المستقبل، كما اتفق معي كثيرين من الخبراء والكتاب والمحللين - فإنني أُحذِّر من مخاطر جسيمة تلوح في الأفق القريب، لأن الوضع أصبح ينطوي على مؤشرات ومخاطر عالية يتحتم معها الوقوف وإعادة الحسابات وتحليل هذه المخاطر التي قد تؤدي إلى كوارث اجتماعية واقتصادية وربما كوارث أخرى، كما يتطلب الوضع القائم وضع خطط معالجة لهذه المخاطر وتنفيذها فوراً، وكذلك إجراء تعديلات جذرية على الوضع القائم من ناحية بعض الأنظمة المتهالكة والمتخلفة، وكذلك تعيين مسؤولين فعالين مؤهلين (من العصر الحديث) لبعض القطاعات التي تمس حياة الناس مباشرة ممن يفهمون الأمور ومخاطرها كما هي ويتعاملون معها كما ينبغي، ولا يكتفون بالتعامل مع المشاكل والكوارث فقط التي كان لبعضهم دور في حدوثها، وذلك لابد من توفر التالي أولاً: إعادة النظر في بعض الأنظمة الحكومية التي تؤدي للقضاء على الطبقة المتوسطة في المجتمع، مثل الأنظمة الاحتكارية (نظام الوكالات التجارية كمثال وليس للحصر). ثانياً: إعادة النظر في شروط ونظام الاستثمار لينصب في مصلحة الوطن والمواطن وليس في مصلحة المستثمر الاجنبي وأهل بلده فقط، حتى أصبح منفذاً لتوطين الأجانب وبمبالغ قد تتدنى إلى مليون ريال فقط. ثالثاً: إعادة النظر في منح الإقامة للعمل إلاّ للمهن النادرة فقط والتي لا يوجد مواطنون مؤهلون لشغلها، والنظر بالسماح للمرأة بقيادة السيارة (فهي تقود السيارة خارج المملكة) لأنه أصبح ضرورة اجتماعية واقتصادية ملحة، وعدم منح التأشيرات وعدم تجديد الاقامات للوظائف التي يمكن أن يقوم بها سعوديون، وتفعيل التفتيش من قبل وزارة العمل على جميع المتاجر والمصانع والشركات والبنوك والمؤسسات للتحقق من أن أهل المهن المسموحة يقومون بأعمالهم حسب النظام، ولتوفير مبلغ الحوالات الخارجية من العمالة التي تتجاوز 100 مليار ريال سنوياً لتبقى في الوطن. رابعاً: تطبيق الأنظمة بصرامة بعد فترة توعية وإنذار لا تزيد على ستة أشهر على كل مخالف لأي نظام كان يطبق في المملكة، وذلك لتصحيح وضعه وتطبيق العقوبات والغرامات والتشهير بحق المخالفين أيا كانوا بعد هذه المهلة. خامساً: إعادة النظر وإجراء الدراسة في وضع البنوك السعودية ومدى استفادة الاقتصاد الوطني والمواطن من سياساتها وممارساتها المصرفية، وفتح السوق لبنوك عالمية للمنافسة وتطوير المصرفية السعودية سواء من خدمات أو أسعار فائدة أو أسعار خدمات أو شروط اقراض، وذلك دعما للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والمقاولين في المملكة.

الدخل الشهري ثابت منذ سنوات والأسعار تتزايد

سادساً: فرض ضرائب بنظام الشرائح على إي تاجر أو شركة أو مؤسسة تزيد أرباحها عن 25% من رأس المال وفرض إحضار تقرير مراقب حسابات لاعتماد التقرير على المؤسسات المتوسطة والصغيرة أيضاً. سابعاً: فرض ضرائب على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والقرى بنسب احتياج هذه المدن، وفرض ضرائب على المخططات المعتمدة غير المنفذة والأراضي البيضاء خارج النطاق العمراني القريبة من المدن ذات الاحتياج الكبير، والسماح بتعدد الأدوار للفلل والعمائر داخل الأحياء في المدن الكبرى. ثامناً: قيام وزارة التجارة بشراء أو استيراد الاحتياجات الأساسية بشكل مباشر من لحوم ودواجن وألبان ودقيق وزيوت وسكر وأرز وبيض وما هو ضروري لحياة الإنسان وبيعه مباشرة في مراكز مخصصة (جمعيات) بسعر التكلفة أو اقل اذا كان مدعوماً للمواطنين ذوي الدخل المحدود (الفقراء) على أساس المدونين في بطاقة العائلة أو البطاقة الشخصية، ويمكن الاستعانة بتجربة الولايات المتحدة الأمريكية أو جمهورية مصر أو دولة الكويت لتحقيق ذلك. تاسعاً: الحكم بأغلظ الأحكام على كل من ثبت عليه التلاعب بلقمة عيش المواطن ورفع الأسعار بشكل غير مبرر، أوشكّل سوقاً سوداء للانتفاع على حساب الأنظمة والمواطنين أو المرتشين والمزورين، ونشر ذلك في وسائل الإعلام. عاشراً: وضع إستراتيجية وطنية لرفع الوعي الاقتصادي للمواطن السعودي تقوم بها وزارة الثقافة والإعلام ووزارة التخطيط ووزارة المالية ومؤسسة النقد، كما وأنه من المؤسف والمحزن حقا ونحن في أغني دول الأرض ويوجد لدينا أكثر من ثمانية ملايين عامل أجنبي يشكلون نسبة 30% من سكان المملكة، وبلدنا لديه ثروة طبيعية وبشرية وسياحية واقتصادية أن يوجه مثل هذا السؤال!، ولكن لا مفر من الإجابة عليه.

ضمانات مفقودة

أما الناقد محمد الحرز، فيقول "لانستطيع أن نجزم بأن العامل الاقتصادي والأزمة المتعلقة به أدت إلى تآكل الطبقة المتوسطة، ولكن إذا كان ذلك قارب إلى الحقيقة، فأننا نعيش مشكلة حقيقية، بمعنى أن المجتمع عندما تنحسر هذه الطبقة فسوف تؤدي إلى أزمة ثقافية عامة، من أهمها انحسار الحركة الثقافية القائمة على هذه الطبقة، أي أن الحراك الثقافي بشتى مجالاته سوف يضمر في بناء المجتمع بشكل كبير، فأي مجتمع لا تتشكل فيه هذه الطبقة سوف تكون هناك عوائد عكسية سلبية عليه من أهمها أولاً: أن المجتمع سوف يكون في حالة من الضمور، وهذا الضمور يتضح في جميع مؤسسات المجتمع المدني الذي نعيشه سواء كان ذلك على مستوى التعليم أو مستوى المؤسسات الثقافية أو حتى في علاقة الدولة بالمجتمع، ونحن في مجتمعنا لاتوجد ضمانات للمثقف، فنحن لانعيش في مجتمع مدني متطور حتى نقول إن المثقف محمي تماماً كطبقة، فلا توجد مؤسسات تحمي المثقف من هكذا أزمات؛ لذلك المثقف هو ابن المجتمع يتأثر بكل سلبياته وأزماته الاقتصادية، لذلك صفة المثقف تأتي لاحقاً على صفة رب الأسرة، فالاحتياجات الأولى للشخص هي أسرية بالدرجة الأولى؛ لذلك سيكون هناك تأثر بشكل كبير، فهناك مثقفون برجوازيين من طبقة الأغنياء الذين لايتأثرون وهؤلاء أنتجتهم بالدرجة الأولى المؤسسة، وعلاقة المثقف واضحة على مر التاريخ؛ لذلك فالسؤال الحقيقي يتمثّل في مدى قدرة المثقف ذي الدخل المحدود والذي لايعتمد على ثقافته في إنتاجه الاقتصادي، هل من الممكن أن يختار أن يقف سداً منيعاً في وجه هذه الأزمة.

صعوبة تجاوز الأزمة

وأضاف الحرز: في تصوري يعود ذلك إلى مدى قدرت الشخص على تجاوز الأزمات، بمعنى هل يستطيع المثقف أن يضحي في سبيل أن تكون ثقافته مؤثره على المجتمع وتحمل مسؤولياته الثقافية أمام المجتمع في ظل هذا التردي الاقتصادي؟، فمن خلال النظرة التاريخية نجد بأنه قليل من تجاوز ذلك واستطاع الصمود ضد هذه الأزمات؛ لذلك دائماً الطبقة المتوسطة هي التي تتأثر وتكون هشة بالدرجة الأولى، لذلك على المؤسسات الثقافية أن تتحمل الدور الكبير في حماية المثقف من الطبقة المتوسطة من هذه الأزمة، إلا أن الدور الأهم يتعلق بالجهات الرسمية التي عليها مسؤولية حماية الطبقة المتوسطة؛ لأن بدون هذه الطبقة لن تقوم قائمة للمؤسسات المدنية، فالدولة تعتمد بشكل كبير على هذه الطبقة في نموها وتصاعدها وفعاليتها اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، ولذلك لابد من الضرورة أن يكون هناك لجان لحماية هذه الطبقة لتصل أصواتهم إلى أصحاب القرار السياسي، وبالتالي فإن ذلك لابد أن يعمم في جميع الدول الراغبة في حماية الطبقة المتوسطة، وهذا ماتؤكده التجارب في الدول بدون الطبقة المتوسطة لاتوجد ضمانات حقيقية لتطور الدولة، ولذلك كل قرار سياسي أواقتصادي لايأخذ بعين الاعتبار في قراراته الطبقة المتوسطة فإنه يضرب في الفراغ.

تأمين السكن وتجديد «الوعي الاستهلاكي» يعيدان «توازن القوى»

مرت سنوات متلاحقة من الأزمة الاقتصادية ومازال الصمت مطبقاً والتحرك بطيئاً لحلها، فالمؤسسات المعنية لم تبادر بالشكل الحقيقي لفض الحروب المعيشية المتمثلة في الغلاء الذي أصبح يؤثر على المواطن ويركله في طور التحولات السريعة غير الإيجابية.. فمن يحميه؟، إلا أن البعض من المهتمين والمستشارين في النواحي الاقتصادية وجدوا بأن هناك حقائق علمية دقيقة أثبتت ذلك التحول الرهيب في دخل المواطن الذي بدأ يتناقص، أو ربما يثبت، في حين يوجد تضخم كبير في متطلبات الحياة المعيشة التي أصبحت تنهبه نهباً، فيجد نفسه في عجلة الدهس على مصادرة الكثير من احتياجاته وربما حقوقه، فوضع البعض منهم بعض الحلول والتحليلات لما يمكن أن يكون سبيلاً للتخفيف من حدة هذه الأزمة، منذرين ومحذرين ومطالبين بضرورة إعادة الحسابات والحلول لفض مايحدث من استغلال لجيوب المواطنين التي أصبحت مثقوبة، فهل من الممكن أن تصل هذه المقترحات إلى أبواب الجهات المعنية حتى تصل إلى التدخل السريع والحقيقي والجاد؟، هذا هو السؤال الأكبر الذي تختتم به حلقات هذا الملف وتترك الإجابة للقرارات المقبلة!.

الدخل الحقيقي للمواطن

يقول المستشار والمتخصص في الاقتصاد الكلي والنقدي والمالي "د.صالح بن علي السلطان" إن الدخل الحقيقي للطبقة المتوسطة قد انخفض، والدخل الحقيقي بلغة مبسطة يعني الدخل الاسمي مطروحاً منه تأثير التضخم. مثال: لو افترضنا أن زيداً من الناس قد زاد دخله 10%، وفي الوقت نفسه كان معدل التضخم 15%، فإن دخله الحقيقي (أو قدرته الشرائية) قد انخفض بما يقارب 5% ، مشيراً إلى أن حصول موجة تضخم قوية خلال السنوات 2005 _ 2008 م، ولكن دخول غالبية الناس لم ترتفع بمعدلات تساوي أو تزيد عن معدلات التضخم، ولا توجد إحصاءات رسمية عن التغير في الدخول، لكن هناك مؤشرات مساعدة تدل على انخفاض الدخل الحقيقي. فمثلاً انخفض الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 مقارنة بعام 2008، والتي تتمثل أولاً: الناتج المحلي الإجمالي، حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009م قد شهد انخفاضاً في قيمته بالأسعار الجارية مقارنة بما كان عليه في العام السابق، حيث انخفضت قيمته إلى (1409124) مليون ريال وبنسبة انخفاض (11، 21%) مقارنة بقيمته في عام 2008 م البالغة ( 1786143) مليون ريال، أما بالأسعار الثابتة (1999= 100)، فقد بلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 م (841184) مليون ريال، فيما بلغت في عام 2008 م (836133) مليون ريال محققة بذلك نموا بلغت نسبته (60، 0%) مقارنة فيما كان عليه في العام السابق. بالمقابل استمر التضخم، بعد توقف نسبي خلال الأزمة المالية أواخر 2008 ومطلع 2009، فقد كان معدل التضخم بين منتصف 2009 ومنتصف 2010 قرابة 6%، وخلال المدة من 2004 وإلى يوليو 2010 بلغت نسبة التضخم الرسمية نحو 30%، وفي مجموعة السكن والعقار نحو 70%، لكن دخول المواطنين لم ترتفع بهذه النسبة.

اعتراف صريح

وأضاف د.السلطان: أن تقارير مؤسسة النقد السنوية الأخيرة (مثلاً التقرير الخامس والأربعون 2009) تشير إلى أن متوسط الأجور الشهري للعاملين في القطاع الخاص في كل سنة من السنوات الثلاث الأخيرة جامد ويدور حول 1350 ريالاً، وهذا معدل منخفض بوضوح، وأكبر سبب في انخفاضه وجود الملايين من اليد العاملة الرخيصة وغير المدربة، حيث يتسبب وجودها بهذه الكثرة في خفض مستوى الأجور في المملكة، بما في ذلك مستوى أجور المواطنين بطبيعة الحال، إلا أنه يمكن الجزم بأن أكبر مشكلة تواجه الطبقة المتوسطة مشكلة السكن، حيث تضخم أسعار العقارات والإيجارات هو أكبر أسباب تدهور القدرة الشرائية لدى أكثرية الناس، لذلك فإن الرؤية والفلسفة الاقتصادية المناسبة التي يمكنها عبر عمليات إجرائية وآليات تنفيذية إنقاذ الطبقة من الانهيار تكمن في العمل على تبني سياسات تسهم في خفض تكلفة الإسكان على المواطنين، حيث إن صندوق التنمية العقارية يحتل الركن الأساسي في أي سياسة لتمويل الإسكان وتقديم قروض ميسرة للمواطنين، فإنني أرى أن حل المشكلة يبدأ (ولكن لا ينتهي عند) بالعمل الجاد على حل مشكلات تناقص رأس مال صندوق التنمية العقارية، وتوسيع وتطوير عمل الصندوق، فهناك فجوة كبيرة بين عدد من يقرضهم الصندوق فعلاً، وعدد الذين تقدموا إلى الصندوق وتمت الموافقة على إقراضهم ولكن لم يقرضوا بعد، بل عليهم الانتظار سنوات طويلة بسبب عدم توفر الأموال.

نعيمة: الراتب وحده غير كافٍ.. وتسجيل الأسر في الجمعيات الخيرية يتزايد!

الصندوق العقاري

وأشار د.السلطان إلى مقترحات لمعالجة وإصلاح القدرة المالية لصندوق التنمية العقارية، وهي عبارة عن أربعة خيارات لتغذية رأس مال الصندوق المتناقص، وهي:

الخيار الأول : تخصيص واعتماد مليارات الريالات في الميزانية للصندوق سنوياً. ولكن من الصعب جداً الأخذ بهذا الخيار باستمرار بدون وجود فائض في الميزانية بصورة مستمرة، ولكن احتمال وقوع هذا بعيد.

الخيار الثاني: زيادة رأس مال الصندوق زيادة كبرى، حيث اقترح مجلس الشورى قبل نحو عام زيادة رأس مال الصندوق إلى 200 مليار ريال، ولكن نجاح هذا الاقتراح يتطلب سياسات تحصيل قوية جداً، كما ينبغي أيضاً استثمار جزء صغير من رأس مال الصندوق، واستغلال عوائده بغرض التعويض عن الأقساط المتخلف عن سدادها، حتى مع قوة سياسات التحصيل، أما بقاء سياسات تحصيل القروض كما هي الآن فيعني أن الزيادة في رأس مال الصندوق ستتلاشى مع الوقت ومن ثم ستتكرر مشكلة قوائم الانتظار مرة أخرى بعد سنوات.

الخيار الثالث : تخصيص نسبة من عوائد صندوق الاسٍثمارات العامة.

الخيار الرابع : إنشاء صندوق استثماري أو وقفي للإسكان لاستغلال عوائده.

الوعي الاستهلاكي

وقال بالإضافة إلى معالجة أوضاع الصندوق، ينبغي على جهات كثيرة التعاون لنشر المزيد من الوعي في تصرفاتنا الاستهلاكية ذلك الوعي لابد أن يتمثل في: 

أولاً: المبالغة

البعد عن المبالغة في الإنفاق لأنه دمار، والله لا يحب المسرفين ولا المبذرين، وأمرنا بالاعتدال في المأكل والمشرب، والسؤال كيه تعرف أنك تبالغ في الإنفاق؟، إحاى الطرق أن تبحث في حجراتك وخزائن ملابسك. كم من الأشياء التي لم تستخدمها على مدى عام؟، ما الأشيا‎ء التي لم تستخدمها على مدى سنوات؟، بل على مدى عام واحد؟، أخرج ما في مستودعك ودواليب بيتك من أثاث وأدوات وملابس وألعاب وكل غرض اشْريته ولم تستعمله على مدى عام أو<أكثر من عام، فوجود هذه الأشياء علامة على أنك تبالغ في الإنفاق، ويعني أنك تشتري ما لا تحتاج إليه ولذا حاول التخلص من هذه العادة وعود نفسك على القناعة، وراقب أكياس الزبالة، وكم فيها من أشياء ما كان ينبغي لها أن ترمى؟، هذه أقوال مهدرة.

- ثانياً: الدفع نضداً وليس بالدين.

- ثالثاً: البعد عن المقارنة للمجاراة، فعلى سبيل المثال تناقش أحد المتحدثين ٌي برنامج عن غلاء أسعار الأراضي،,فقال المتحدث للمتصل بالبرنامج، لماذا تصر على البحث عن أرض سكنية في حي بلغ سعر المتر السكني فيه500 ريال طالما أنك لا تستطيع تح÷ل هذا السعر، وهناك أحياء في الرياض تتوفر فيها كل الخدمات والمرافق بسعر لا يتجاوز 700 ريال للمتر<المربع الواحد، لذلك على الفرد أذ يغتنم الفرص حين يتسوق ويقارن بين أسعار السلعة لدى عدة متاجر. احجز مبكرا لتحصل على أسعار أفضل. àاختصار، لابد من التعود على الدفئ النقدي والجدية في التوفير.

- رابعاً: البطاقات الائتمانية تصبح نقمة إذا أسيء استخدامها، حيث عوسع الناس في استخدام البطاقات ا‎ائتمانية نتيجة الولع بالمظاهر، وزيادة الالتزامات والتوسع في الاستهلاك مع مرور الوقت، دون أن يصاإب ذلك ارتفاع مكافئ في الدخل لفئات كثيرة من المجتمع. وأساء الأفراد التقدير عند الحصول على البطاقة بما ستؤول إليه الأوضاع، وسوء تْدير ارتفاع الربحية والعوائد. فاُتغيرات غير المخططة في ظروف الشخص كالمرض والالتزامات الفجائية ( ما أكثرها في مجتمعنا ) وفقدان مصدر دخل، كما أن التغيرات المفاجئة كَيراً ما تؤدي إلى سوء إدارة المال، حيث تقرر رسمياً إنشاء وكالة لحماية المستهلك ( أو نحو ذلك ) ضمن قنظيمات وزارة التجارة، فأرى أن عهى هذه الوكالة أن توظف مختصين لتوعية الناس في كيفية إدارة شؤونهم المالية، وضبط ميزانياتهم، وكيفيل سداد ديونهم بأقل تكلفة ممكنة، ÷ذلك توعية الناس بمالهم وعليهم تجاه البطاقات، ومهارة التفاوض لخفض الالتزامات. مثل هذه الخدمات مت÷حة بكثرة في الغرب، ويمكن الاستفأدة من خبراتهم وتجاربهم.

- خامساً: الولع باستخدام البطاقات الائتمانية أكبر مشكلة تكمن في الإف‎اط في استعمالها. البطاقة تساهم ُي زيادة ولع الناس بالشراء، وتحميلهم ديونا عالية ومكلفة، وهذه بالمناسبة ظاهرة عالمية، خاصة في المول ذات الدخل المرتفع كالدول الغصبية ودول الخليج، كما تتسبب في اختلال الميزان التجاري لدول (بصورة مبسطة زيادة الاستهلاك تعني زياçة الاستيراد، وإذا لم يقابله زياغة في التصدير ينشأ عجز الميزان التجاري).

- سادساً: لابد من إعادة جدولة الديون إذا كانت الأقساط الشهرية تزيد نسبتها على المقرر نظاماً.

- سابعاً: ينبغي إعادة بناء الجهة المسؤولة عن حماية المستهلك في وزارة التجارة لتكون هيئة مستقلة بذاتها، فوزارة التجارù بحسب طبيعة عملها مسؤولة عن التجارة والتجار، ومن الواضح أن هذه المسؤولية تستلزم بالضرورة وجود تٍارض مع مسؤولية حماية وتوعية المأتهلك المكلفة بها وزارة التجارة أيضاً، وبناءً على نقطة الضعف السابقة، اهتمت الدول الأكثر تقدماً إدارياً واقتصادياً بتأسيس منظمات لحماية وتوعية المستهلك خارج إطار السلطات المسؤولة عن قوانين وتنظيم وترخيص الأنشطة التجارية فهذه قضية أساسية.

الراتب لا يكفي !

وأكدت "نعيمة الزامل" رئيسة جمعية ود الخيرية على أن الأزمة الاقتصادية العالمية أظهرت تأثيراً ـالغاً على غلاء المنازل التي يعاني منها المواطن بشكل كبير، فارتفعت الإيجارات بشكل لايمكن مجاراته حتى وجدت الجمعيات الخيرية نفسها غير قادرة على تقديم الكثير، فحتہ إن تولت دفع نصف الإيجار فإن النصف الآخر يبقى مرتفع ليتحمل تكلفته المستأجر، خاصة على الطبقة الفْيرة وربما على بعض من كانوا يعتبéون من الطبقة المتوسطة، فحينما يكون رب الأسرة راتبه الشهري 4000 آلاف ريال ماذا سيغطي ذلك الراتب؟¹ إيجار الشقة أو الكهرباء أو قيمه الماء أو تكاليف التعليم، وربما كان عدد أبنائه سبعه ويعول أخواته وأمه فتلك الضغوطات كبيرة، فالغةاء أصبح موجوداً ولايمكن مجاراته فالجمعيات حينما ترغب في مساعدة المحتاج تجد صعوبة فهناك منازل تحتاج لترميمها نظراً لتآكلها بسبب مر السنوات، فوجدنا بأن مواد البناء ارتفعت بشكل مخيف، مما تسبب صعوبة في المبادرة، مشيرة إلى أن تلك الأزمة أثرت على معدل التبرعات التي كانت تقدم من المتبرعين والقائمة عليها الجمعيات بشكل ملحوظ، فالغلاء ضغط على الجميع، إلا أن المبادرة في فعل الخير مازالت موجودة فالأثرياء يشعرون بمعاناة الطبقة المتوسطة والفقيرة وإن لم يستمر كما كان في السابق، فالطبقة المحتاجة أصبحت كبيرة وازدادت فرب الأسرة في ظل هذا التضخم الكبير والذي يتقاضى راتباً شهرياً يصل إلى 6000 ريال أصبح يحتاج للمساعدة، إلا أن الجمعيات لاتستطيع مجارات التزايد في عدد الأسرة الفقيرة، فتقف عند الرواتب المتدنية مع علمها بأن من كان يعتبر نفسه في عداد الطبقة المتوسطة أصبح يحتاج للمساعدة، وربما ذلك مادفع الجمعية إلى السعي خلف مبدأ تأهيل أفراد الأسرة جميعا للعمل والانخراط في أعمال الحرف اليدوية وإقامة الأفكار التي يحصلون على المال من خلالها فللأسف الأجنبي يستطيع العيش في المملكة؛ بسبب رغبتهم في بحث الفرص فيما لوحظ بأن الشعب السعودي لايستطيع بسبب عدم رغبته في الانخراط في الحرف اليدوية على الرغم من وجود المرأة الماهرة في ذلك النوع من الأشغال فلابد من تغيير النظرة لهذا النوع من العمل، خاصة في ظل النمط المعيشي المتغير الذي أصبح يدفعنا للصرف على المناسبات الشخصية كالمواليد والأفراح وغيرها، فلابد من استغلال ذلك الاستهلاك بشكل جيد لذلك فإن الجمعية تعاني من عدم مبادرة المحتاج إلى الجمعية لدخول في تلك الحرف، مؤكدة أن نسبة الأسر التي دخلت في طور الفقر والتي تعتبر من الطبقة الفقيرة في تزايد مستمر، حيث وصلت مثلاً في مدينة الخبر أكثر من 400 أسرة بحاجة للدعم.


جريدة الرياض

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيدي وتاج راسي

الفساد والانحطاط الإداري

تحصين خدمة المواطن بمحاربة الفساد